العمل النقابي: أهداف ومبادئ
هذا
النص هو صياغة محينة لعرض تم إلقاؤه في سنة 1994 وتم نشره لأول مرة في
أكتوبر 1999 في "النضال النقابي الفلاحي" جريدة الجامعة الوطنية للقطاع
الفلاحي التابعة للاتحاد المغربي للشغل.
ويمكن
اعتبار إعادة نشر هذا النص بصيغته المحينة، كمساهمة في النقاشات الجارية
حاليا داخل الاتحاد المغربي للشغل بعد رحيل المحجوب بن الصديق، الأمين
العام للمركزية لما يزيد عن 55 سنة، وبمناسبة التحضير للمؤتمر الوطني
العاشر للاتحاد المقرر عقده في 11 – 12 دجنبر 2010 وبعد ما يقرب من 16 سنة
من انعقاد المؤتمر الوطني التاسع أيام 21 – 22 و23 أبريل 1995.
xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx xxxx
النقابة،
وما يهمنا هنا هي نقابة المأجورين، هي تنظيم ديمقراطي دائم للمأجورين
ينشئونه وينخرطون فيه بشكل طوعي ويسيرونه بأنفسهم من أجل الدفاع عن مصالحهم
بالوسائل المشروعة التي يحددونها.
ونسعى من خلال هذا النص إلى التعريف بأهداف العمل النقابي، وبالمبادئ التي يرتكز عليها. وسنركز في ذلك على وضعية الحركة النقابية العمالية ببلادنا.
I- أهداف العمل النقابي
يهدف العمل النقابي إلى الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للمأجورين بغاية تحسين أوضاعهم ماديا ومعنويا.
إن هذا التعريف للأهداف واسع جدا وسيتم تدقيقه بالتمييز بين الأهداف المباشرة والهدف الإستراتيجي للعمل النقابي.
1) على المستوى المباشر:
يهتم العمل النقابي أساسا بالمجالات التالية:
· ضمان استقرار العمل؛
· تحسين الأجور والتعويضات المختلفة؛
· التقليص
من مدة العمل اليومية والأسبوعية والسنوية مع توفير فرص أكبر للراحة
(الراحة الأسبوعية، الأعياد، العطلة السنوية) المؤدى عنها؛
· تحسين ظروف العمل على المستوى الأمني والصحي والحماية من حوادث الشغل والأمراض المهنية؛
· الحماية الاجتماعية في مجال التأمين عن المرض والبطالة وضمان المعاشات عن الشيخوخة والعجز والوفاة...؛
· ضبط العلاقة بين المشغل والعمال لحمايتهم من التعسف ولضمان احترام كرامتهم؛
· ضمان
ممارسة الحقوق النقابية: تكوين النقابة والانخراط فيها، تقديم المطالب،
المفاوضة الجماعية حولها، التسهيلات للأطر النقابية لمزاولة النشاط النقابي
من أجل الاتصال والاجتماع والتكوين، الإعلام النقابي، حق الإضراب...
.
إن
تحقيق الأهداف المباشرة للعمال يتم عبر سن تشريع للشغل ملائم للعمال
وتطبيقه، أو عبر إبرام اتفاقيات جماعية بين النقابة والمشغلين على مستوى
المؤسسة أو القطاع أو المنطقة أو على المستوى الوطني.
2) على المستوى الاستراتيجي:
إن
الاستغلال هو السبب الجوهري لما يعانيه العمال من مشاكل اجتماعية. وفي
المجتمع الرأسمالي، إن العمل النقابي في مستواه المباشر يؤدي إلى تحسين
شروط الاستغلال بدون القضاء على الاستغلال؛ وإن المكتسبات التي يحققها
العمال بنضالهم في ظل موازين قوى إيجابية، قد يتم التراجع عليها في فترة
الأزمات وفي ظل موازين قوى سلبية، حيث يتم ضرب العديد من
الحقوق الأساسية بما في ذلك الحق في الشغل نفسه.
إن العمل النقابي، إذا حصر في مستواه المباشر، يظل عملا ضيق الأفق دون بعد استراتيجي ويترك العمال في دوامة فارغة.
لذا، فإن العمل النقابي بالمفهوم التقدمي يربط العمل النقابي في مستواه
المباشر بالهدف الإستراتيجي للعمل النقابي المتمثل في العمل النضالي من أجل
بناء مجتمع خال من الاستغلال.
ونشير هنا إلى أن مفهوم الاستغلال لصيق بالمجتمع الطبقي الذي يستحوذ فيه مالكو وسائل الإنتاج على منتوج الكادحين المجردين من وسائل الإنتاج، ولا يتركون لهم سوى ما يمكنهم من تجديد قوة عملهم والاستمرارية في مواصلة عملية الإنتاج.
ففي
المجتمع الرأسمالي يسيطر الرأسماليون على وسائل الإنتاج، من منشآت وآلات
ومواد أولية وأراضي وأموال، في حين أن الطبقة العاملة تظل مجردة من وسائل
الإنتاج؛ ونتيجة لذلك فعند اقتسام المنتوج الجديد الصافي يأخذ العمال
أجرتهم كمقابل لبيع قوة عملهم، بينما يستحوذ الرأسماليون المستغلون على ما
تبقى من المنتوج الجديد الصافي وهو ما يسمى بفائض القيمة.
كيف تعامل الاتحاد المغربي للشغل من خلال أدبياته مع النضال الاستراتيجي ضد الاستغلال؟
في
ديباجة القانون الأساسي المصادق عليها في دجنبر 1989 من طرف المؤتمر
الثامن للاتحاد جاء ما يلي: "إن الاتحاد المغربي للشغل يعمل من أجل تشييد
مجتمع حر وديمقراطي يسوده الرخاء ويضمن العدالة الاجتماعية والحريات
العمومية والحقوق الأساسية للعامل والإنسان"؛ وتضيف الديباجة: "إن الاتحاد
المغربي للشغل يواصل الكفاح التاريخي ضد الاستغلال بكافة أشكاله من أجل
السيادة الوطنية والديمقراطية
الاجتماعية والحرية".
ضمنيا، إن موقف الاتحاد واضح من المجتمع الرأسمالي. فما دام هذا المجتمع هو مجتمع استغلالي، فإن الاتحاد سيواصل الكفاح التاريخي ضده.
لكن أي بديل لهذا المجتمع الرأسمالي الاستغلالي؟
في
1963 طرح المؤتمر الثالث للاتحاد مفهوم الطريق غير الرأسمالي للتنمية، وفي
التقرير للمؤتمر تم الحديث عن الثورة الاقتصادية والاجتماعية مع التأكيد
على ضرورة:
· إصلاح زراعي جدري، ينزع الأرض بدون تعويض من المعمرين والإقطاعيين ويعطي الأرض لمن يحرثها؛
· تشريك القطاعات الاقتصادية الحيوية ووسائل الإنتاج والتبادل الأساسية؛
في
المؤتمر الخامس المنعقد عام 1972 بدا واضحا ميول الاتحاد المغربي للشغل
إلى تبني المجتمع الاشتراكي كأفق، حيث جاء في النقطة العاشرة من التقرير:
"إن الطبقة العاملة المغربية ...تشكل المصدر الوحيد للاشتراكية والإمكانية
الوحيدة للتغيير الحقيقي للعلاقات الاجتماعية ولعلاقات الإنتاج على أساس
التحطيم الكلي لآليات الاستغلال في المجتمع، وبناء مجتمع تقدمي أكثر
إنسانية. فلا اشتراكية خارج
الطبقة العاملة وبالأحرى ضد الطبقة العاملة". (مقتطف مترجم من النص
بالفرنسية UMT identité et positions P118 ).
إلا
أنه رغم رفض الاتحاد المغربي للشغل للاستغلال، وبالتالي للمجتمع الرأسمالي
فليس هناك وضوح في ما يتعلق بالمجتمع البديل. وهذا الغموض نتيجة في نظري
لما عرفته الاشتراكية ـ كمشروع مجتمعي بديل للرأسماليةـ من أزمة حادة ومن
انتكاسة على المستوى العالمي مما أدى إلى تراجع المنظور الاشتراكي للتغيير؛
وهو نتيجة كذلك للتعددية السياسية والإيديولوجية داخل الاتحاد، حيث يتواجد
أنصار التوجه
الاشتراكي جنبا إلى جنب مع أنصار المجتمع الرأسمالي ومع نقابيين بدون رؤيا
إستراتيجية بديلة للمجتمع القائم.
وفي
اعتقادي إن البديل الاستراتيجي الوحيد للمجتمع الاستغلالي الرأسمالي
الحالي هو المجتمع الاشتراكي الذي تكون فيه وسائل الإنتاج والسلطة
الاقتصادية عامة بيد الطبقة العاملة المنظمة والواعية، مما يتطلب، كشرط
ضروري، أن تكون السلطة السياسية بدورها في يد الطبقة العاملة وحلفائها من
الكادحين ومن المثقفين التقدميين.
إن
المجتمع المغربي، وكذا الأغلبية الساحقة من مجتمعات العالم الثالث، يتميز
بسيادة الرأسمالية التبعية. وهذا النوع من الرأسمالية الذي يجمع بين طاعون
الاستغلال الرأسمالي وكوليرا التبعية يؤدي إلى أوضاع تتميز بالاستغلال
المكثف لأوسع الفئات العمالية بموازاة مع التهميش الكلي أو الجزئي لأوسع
الفئات الشعبية.
أما
السبب في ذلك فيرجع أولا، لكون الجزء الأضخم من الإنتاج الجديد الصافي
يوزع في شكل فائض القيمة بين البرجوازية الرأسمالية العالمية التي تستثمر
أموالها ببلادنا وبين شريكتها البرجوازية المحلية التابعة والدولة الساهرة على مصالحها، مما يؤدي إلى أجور زهيدة بالنسبة لأغلبية العمال، أجور لا تصل حتى إلى
قيمة قوة العمال كبضاعة يعرضها العامل على الرأسمالي، مما يفسر الاستغلال المكثف .
ويرجع
السبب في ذلك ثُانيا، إلى أن الاقتصاد الرأسمالي التبعي يتميز بهياكله
المتفككة التي لا تقوى على إدماج القوة القادرة على العمل في النسيج
الاقتصادي مما يفسر التفشي المهول للبطالة وتهميش جزء كبير من الجماهير
الشعبية.
إن
الرأسمالية التابعة هي مصدر الاستغلال المكثف والتهميش؛ ولا يمكن إطلاقا
انتظار أي تحسن دائم واستراتيجي في ظل مثل هذا النظام الاقتصادي وما يرافقه
من بنية سياسية. إن مثال "النمور الآسيوية" (كورية الجنوبية وطيوان ...)
لا يشكل اعتراضا على ما نطرحه هنا، لأن التطور الاقتصادي الهائل الذي عرفته
هذه البلدان في ظل الرأسمالية التبعية جاء نتيجة لرغبة الدول الامبريالية،
وبالتحديد أمريكا
واليابان، في تشجيع تطورها الاقتصادي من أجل طرح بديل رأسمالي ناجح قادر
على تشكيل بديل للنموذج الاشتراكي الذي اختارته كوريا الشمالية والصين
الشعبية بعد تحررهما من الاستعمار والامبريالية.
أي بديل إذن للرأسمالية التبعية ؟
إن
مجرد طرح هذا السؤال في الظروف الراهنة، ظروف النظام العالمي الجديد
والعولمة وما يطبعها من تفشي للعلاقات الليبرالية المتوحشة، وما يرافقها من
هيمنة للنموذج الرأسمالي التبعي في بلدان العالم الثالث وحتى في البلدان
"الاشتراكية" سابقا، يبدو كتحد "للمنطق السليم" و"للواقعية". ومع ذلك، وما
دام النظام الرأسمالي التبعي يظل مصدر الاستغلال المكثف والتهميش ـ وما
يواكبهما من فقر وقهر واستلاب
ومن حروب وبروز للنزاعات الأكثر تخلفا ـ فلا بد من إيجاد البديل.
ونظريا،
هناك بديلان مطروحان في الساحة : البديل الأول مطروح من داخل النظام
الرأسمالي نفسه وتحتضنه القوى البرجوازية المتوسطة والصغيرة. ويتعلق الأمر
بالتخلص من التبعية والعمل على بناء نظام رأسمالي وطني مستقل على غرار
الأنظمة الرأسمالية الناضجة الموجودة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة
واليابان . ويسعى أنصار هذا البديل إلى بناء نظام سياسي ديمقراطي ليبرالي
كبنية فوقية تواكب
النظام الاقتصادي الرأسمالي الوطني الذي ينشدونه.
إلا
أن هذا البديل، إضافة لكونه في حالة نجاحه يسمح باستمرار الاستغلال
الرأسمالي، فهو في الحقيقة بديل صعب إن لم نقل وهميا. ذلك أن الامبريالية
التي لا يمكن أن تضمن مصالحها إلا باستمرار هيمنة الرأسمالية المركزية على
رأسمالية الأطراف وإخضاعها لآليات تطويرها، لا يمكنها أن تسمح ببروز
رأسمالية وطنية عن طيب خاطر. ومثال العراق نموذج حي على ذلك. إن
النظام
العراقي في عهد صدام حسين ـ ونفس الشيء بالنسبة للنظام المصري في عهد جمال
عبد الناصرـ كان نظاما وطنيا يسعى إلى انتشال العراق من التبعية وبناء نظام
اقتصادي رأسمالي وطني مستقل. إلا أن الامبريالية العالمية واجهته
بالمؤامرات، ثم بالحديد والنار، لمنعه من الخروج من دوامة التبعية حتى
تمكنت من إسقاطه.
أما
البديل الآخر للنظام الرأسمالي التبعي فيكمن في بناء المجتمع الديمقراطي
الشعبي كمرحلة على طريق البناء الاشتراكي والقضاء على الاستغلال. أما القوى
المجتمعية التي في مصلحتها احتضان هذا البديل، فهي الطبقة العاملة
وحلفاؤها الكادحون بالمدن والبوادي إضافة إلى المثقفين التقدميين وفئات
واسعة من البرجوازية الصغيرة. إن المجتمع الديمقراطي الشعبي الذي يعمل على
ضمان الديمقراطية السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب وضمان التمتع بحقوق الإنسان لسائر
المواطنين والمواطنات يشكل مرحلة انتقـالية من النظـام السـائد حاليــا -
النظام الرأسمالي التبعي ـ إلى النظام الاشتراكي. ولا حاجة للتأكيد على أن
إقامة مثل هذا النظام يتطلب حشد قوى داخلية ضخمة لمواجهة القوى المعادية،
وكذا بناء تحالفات متينة مع القوى المجتمعية التي لها نفس المصالح على
مستوى المغرب الكبير والعالم العربي وعلى المستوى الدولي.
لقد
قادنا الحديث عن الأهداف الإستراتيجية للعمل النقابي إلى نقاش بعض القضايا
ذات الطابع السياسي. ونضطر هنا لفتح قوس للحديث عن العلاقة بين النضال
النقابي والنضال السياسي. إن إشكالية العلاقة بين السياسي والنقابي مطروحة
منذ أزيد من قرن ونصف؛ ومع ذلك فلا زالت قائمة، ولا زال هناك من يخلط بين
العمل النقابي والعمل السياسي، سواء على مستوى الأهداف أو المبادئ أو
الأساليب.
إن
العمل السياسي يهدف في نهاية المطاف إلى المشاركة في السلطة لتطبيق برنامج
يتجاوب مع مصالح طبقة أو فئة طبقية أو تحالف طبقي معين. بينما يهدف العمل
النقابي العمالي إلى خدمة المصالح المادية والمعنوية للطبقة العاملة سواء
على المستوى المباشر أو على المستوى الاستراتيجي. فالنقابة العمالية لا
تسعى للمشاركة في السلطة، وإن كانت قد تدعم أو تتعاون مع القوى السياسية
التي لها برامج تخدم المصالح
والأهداف العمالية.
رغم
أن الاتحاد المغربي للشغل لا يسعى كنقابة للمشاركة في السلطة فقد اتخذ
طيلة تاريخه، ومنذ نشأته في 20 مارس 1955 إلى الآن، مواقف سياسية مثل
المطالبة بالاستقلال والتصويت ضد الدستور الممنوح عام 1962 والمطالبة بحل
البرلمان والمجالس المزيفة في دجنبر 1990 وفبراير 1994 ومناهضة المسلسل
الديمقراطي المزيف من عام 1976 إلى مطلع هذا القرن والمطالبة بحكومة شعبية
وبإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة
المنفيين... .
إن الربط بين النقابي والسياسي لدى الاتحاد المغربي للشغل قد ووجه بنوعين من الانتقادات :
النوع الأول
اعتبر الاتحاد كنقابة سياسية تغلب الجانب السياسي على الجانب النقابي
وتسعى لخدمة أغراض سياسية لجهة معنية بدل الدفاع عن المطالب النقابية
للمأجورين. وقد كانت السلطة الحاكمة في بداية الاستقلال تتبنى هذا الموقف،
ومن هنا حرصها على منع الاتحاد المغربي للشغل من أن يسجل في قانونه الأساسي
هدف الدفاع عن الحقوق المعنوية للعمال إلى جانب
الحقوق
المادية خوفا من أن تشكل الحقوق المعنوية غطاءا للنشاط السياسي. كما أن حزب
الاستقلال، وبعد نشأة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، اتهم الاتحاد
المغربي للشغل بالانسياق مع العمل السياسي، مما شكل تبريرا للتقسيم الأول
الذي عرفته الحركة النقابية والمتجسد في إنشاء الاتحاد العام للشغالين
المغاربة، المركزية التابعة لحزب الاستقلال.
أما النوع الثاني
من الانتقادات، فقد اعتبر أن الاتحاد المغربي للشغل نقابة "خبزية" لا تهتم
إلا بالعمل النقابي الضيق ولا تربط العمل النقابي بضرورة التغيير السياسي.
وقد جاء هذا النقد من جناح داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تحول فيما
بعد إلى حزب الاتحاد الاشتراكي؛ وهذا الجناح كان يؤاخذ الاتحاد المغربي
للشغل على عدم تسخير إمكانياته الجماهيرية العمالية لصالح الجناح ثم الحزب
المذكورين. وقد أدى هذا النقد بأصحابه إلى خلق مركزية جديدة سنة 1978،
الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.
وفي الحقيقة إن الاتحاد المغربي للشغل قد اتخذ عموما ـ وإلى حدود السنوات العشرة الأخيرة حيث نسجل تراجعا في هذا الشأن ـ مواقف
سياسية من أهم القضايا السياسية المطروحة للبلاد مع التركيز بطبيعة الحال ـ
وهذه هي هويته الأساسيةـ في نشاطه العملي على الدفاع عن الأهداف النقابية
المباشرة للعمال.
قد
يكون نوع الربط بين النقابي والسياسي مثار جدل أحيانا، وقد يكون الاتحاد
قد قصر في اتخاذ مواقف من أحداث مهمة معينة أو يكون الاتحاد قد أخطأ أحيانا
في نوعية الربط بين السياسي والنقابي، لكن من غير الصحيح نعت الاتحاد
المغربي للشغل بالنقابة الخبزية أو النقابة السياسية.
ومهما
يكن من أمر، فإن النضال السياسي واتخاذ المواقف السياسية من لدن النقابة
العمالية مفروض عليها لسببين: أولهما الجانب الاستراتيجي في الأهداف
النقابية – مناهضة المجتمع الاستغلالي - وثانيهما انعكاس السياسات المتبعة
على الأوضاع النقابية مما يفرض اتخاذ مواقف سياسية منها
II- مبادئ العمل النقابي
لم يسبق للاتحاد المغربي للشغل أن دون مجمل المبادئ المذكورة هنا في إطار
وثيقة خاصة إلا أنه يمكننا من خلال جرد أدبيات الاتحاد المغربي للشغل أن
نصنف هذه المبادئ إلى ستة: الجماهيرية، الوحدة النقابية، الاستقلالية
النقابية، الديمقراطية، التضامن والتقدمية.
1 - الجماهيرية
إن
هذا المبدأ يعني أن الاتحاد المغربي للشغل منظمة مفتوحة لجماهير المأجورين
خاصة المأجورين المستًغًلين الراغبين في العمل الجماعي المنظم لتحسين
أوضاعهم المادية والمعنوية. ويتم تنظيم هؤلاء المأجورين بغض النظر عن مهنهم
وتخصصاتهم (عامل يدوي، عامل ذهني، تقني، مهندس)، عن موقعهم القانوني
(رسمي، مؤقت، عامل بالعقدة، عامل عاطل) عن جنسهم (رجل، امرأة)، عن سنهم (من
سن الالتحاق بالعمل إلى الوفاة)، عن
جنسيتهم (مغربي، أجنبي)، عن لغتهم، عن ديانتهم وعقيدتهم، عن مواقفهم
السياسية والإيديولوجية.
إن
الاتحاد المغربي للشغل مفتوح، ليس فقط أمام الأجراء، وإنما كذلك أمام
الفئات الأخرى من المقهورين والمهمشين مثل الفلاحين الكادحين والصناع
التقليديين والتجار الصغار وحتى العاطلين. بل إن "الشبيبة العاملة
المغربية" المرتبطة بالاتحاد المغربي للشغل مفتوحة، ليس فقط أمام الأجيرات
والأجراء والكادحين/ات الشباب، ولكن كذلك أمام المعطلين وأمام الطلاب، نساء
ورجالا.
إن
ضمان مبدأ الجماهيرية يتضمن بالضرورة احترام المبادئ الأخرى وفي مقدمتها
مبدأ الديمقراطية والاستقلالية والوحدة النقابية. وفي ظل عدم احترام هذه
المبادئ نسجل بأن جماهيرية الحركة النقابية قد تقلصت بشكل كبير بالمقارنة
مع الفترة الأولى من حصول المغرب على الاستقلال.
2 - الوحدة النقابية
· إن
هذا المبدأ يعني التشبث بوحدانية التنظيم النقابي للعمال والأجراء ورفض كل
الشعارات حول التعددية النقابية باعتبار أنها في نهاية المطاف لا تخدم سوى
مصالح أعداء وخصوم الطبقة العاملة من رجعيين وانتهازيين.
· إن
شعار الوحدة النقابية يجد أساسه النظري في كون الطبقة العاملة (وعموم
الأجراء) طبقة موحدة لها نفس المصالح والمطامح العامة وأنها تواجه في
صراعها الطبقي قوى اجتماعية موحدة: الرأسمالية والكتلة الطبقية السائدة
المستفيدة من النظام الرأسمالي والدولة الحامية لمصالحها.
يمكن
أن نفهم إلى حد ما التقسيم النقابي على أساس فئوي مثل التقسيم بين نقابة
التعليم العالي والمأجورين الكادحين؛ إلا أنه لا يمكن من وجهة نظر مصلحة
الطبقة العاملة قبول تقسيم العمال على أساس عمودي: في نفس المعمل أو
المؤسسة الإدارية أو التجارية أو الخدماتية أو في نفس القطاع قد نجد جزءا
من الأجراء مع هذه النقابة وجزءا ثانيا مع نقابة أخرى وجزءا ثالثا من نقابة
ثالثة وهلم جرا مع أن لكل هؤلاء
وفي الجوهر مصالح واحدة.
· كيف يتم تبرير التقسيم النقابي المشؤوم المسمى بالتعددية النقابية؟
· إن
التقسيم وجد إحدى تبريراته في كون الاتحاد المغربي للشغل نقابة سياسية
منحازة للقوى التقدمية؛ وهذا هو مبرر حزب الاستقلال للقيام بأول عملية
تقسيمية (مارس 1960) عرفتها الحركة النقابية العمالية بعد الاستقلال، وهو
نفس التبرير لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي أقدمت على إنشاء
الاتحاد النقابي للعمال الأحرار.
· وفي
مرحلة لاحقة وجد التقسيم مبرراته في كون الاتحاد المغربي للشغل "نقابة
خبزية" ـ لا تهتم بالسياسة وإنما فقط بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية
للعمال ـ وفي كونه نقابة "بيروقراطية" لا تحترم الديمقراطية. هذه هي
الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد المغربي للشغل من طرف أحد أجنحة الاتحاد
الوطني للقوات الشعبية والذي سيعمل على تقسيم الاتحاد المغربي للشغل مجددا
وإنشاء مركزية ك د ش.
· هناك
مبرر آخر يوحد كل أنصار التقسيم من سلطة وأحزاب رجعية وانتهازية هو أن
التعددية النقابية هي إحدى مقومات الديمقراطية، حيث لا يمكن في نظرهم تصور
الديمقراطية دون وجود عدة تنظيمات نقابية!.
· إن المبررات السالفة الذكر هي مجرد مغالطات لتدويخ العمال وجرهم إلى القبول بواقع التقسيم المشؤوم.
- فالمبررات
المتعلقة بكون الاتحاد المغربي للشغل نقابة سياسية منحازة للتقدميين، أو
أنها نقابة خبزية وبيروقراطية، علاوة على أنها مبررات متناقضة وتنحي بعضها
البعض، فهي لا تصمد أمام تحليل المسار التاريخي : لقد مزج الاتحاد المغربي
للشغل، عموما وإلى
حدود
السنوات الأخيرة، بين
النضال من أجل المصالح الاقتصادية والاجتماعية للأجراء والنضال ضد
الديمقراطية المزيفة ومن أجل ديمقراطية حقيقية سياسية واقتصادية واجتماعية.
إن الربط بين النضال الاقتصادي والمواقف السياسية داخل نقابة عمالية ليست
عملية سهلة؛ وقد يكون الاتحاد المغربي للشغل غير موفق في هذا الربط أحيانا؛ لكن من المجحف اعتبار الاتحاد المغربي للشغل
كنقابة سياسية أو كنقابة خبزية صرفة.
- وفيما يخص نعت الاتحاد المغربي للشغل بالبيروقراطية واعتماد ذلك مبررا للتقسيم، فهذا كذلك غير مقبول لسببين أساسيين:
ü أولهما
أن سيادة البيروقراطية ليس مبررا للتقسيم. فنقيض البيروقراطية هو
الديمقراطية. وعلى كل مناضل غيور على مصلحة الطبقة العاملة وعلى وحدتها
النقابية ـ التي تشكل سلاحها الأساسي
لمواجهة الاستغلال والاضطهاد ـ أن يناهض البيروقراطية، كلما وجدت وأينما
وجدت، بالعمل على تسييد الديمقراطية النقابية داخل النقابة وعلى تربية
العمال لحملهم على مواجهة البيروقراطية دون المس بالوحدة النقابية.
ü ثانيهما
أن ممارسة المركزيات النقابية المتولدة عن التقسيم النقابي ـ وفي مقدمتها
تلك التي نصبت نفسها كبديل تاريخي في مجال الديمقراطية ـ تبين أن العلاقات
داخلها تميزت، بعد فترة التأسيس، بأبشع أنواع البيروقراطية والتسلط. ومن هنا يتضح أن البيروقراطية، كمبرر للتقسيم، هي في أحسن الأحوال كلمة حق يراد بها باطل.
- أما
عن أطروحة التعددية النقابية كإحدى مقومات الديمقراطية، فهذه مغالطة
فظيعة. ذلك أن عددا مهما من البلدان الغربية (البلدان الاسكندنافية،
ألمانيا، الولايات المتحدة، بريطانيا) التي تشكل ديمقراطيتها نموذجا
بالنسبة لأصحاب هذه الأطروحة لا توجد بها
عمليا سوى مركزية نقابية واحدة.
إن
المغالطة هنا تكمن في الانزلاق المتعمد من التعددية السياسية والحزبية
كإحدى المقومات الفعلية للديمقراطية (باعتبار أن المجتمع الطبقي يتضمن
طبقات وفئات اجتماعية مختلفة من حقها التوفر على تعبيرات سياسية خاصة بها)
إلى التعددية النقابية التي لا تجد تفسيرها في واقع الطبقة العاملة وإنما
في مصلحة أعدائها وخصومها.
· إن
التفسير الفعلي للتقسيم وللتعددية النقابية يوجد في كون أعداء وخصوم
الطبقة العاملة ـ من برجوازية مستغلة، وملاكي الأراضي الكبار، والسلطة
الحامية لمصالحهم، وفئات من البرجوازية الصغيرة، ومن قوى رجعية
وانتهازية ـ يدركون مدى قوة الطبقة العاملة التي يجب في نظرهم إما تقسيمها
لإضعافها وإما استعمالها في إطار المخططات السياسية الخاصة بهم.
فالقوى
الرجعية انطلاقا من مبدأ "فرق تسد" قد شجعت دائما على تقسيم الطبقة
العاملة وذلك في إطار فهمها الخاص للديمقراطية المبني على تجزئة كتلة
الطبقات الشعبية وتشتيتها من أجل إضعافها أمام الكتلة الطبقية السائدة. ومن
هنا لجوؤها إلى إنشاء نقابات رجعية.
أما
القوى الانتهازية المعبرة عن مصالح البرجوازية المتوسطة والصغيرة فقد
اعتبرت بدورها أن مصلحتها تكمن في إخضاع جزء من الطبقة العاملة لنفوذها
السياسي ولمخططاتها السياسية (الانتخابية بالخصوص) وذلك عبر إنشاء نقابات
حزبية ذيلية.
· إن مخطط التقسيم قد أدى إلى تفريخ حوالي 20 مركزية نقابية كلها (ما عدا الاتحاد المغربي للشغل)، وعلى الأقل في مرحلة التأسيس، كانت إما نقابات للسلطة أو
نقابات حزبية أو واجهات نقابية لأحزاب سياسية. ويبقى السؤال الجوهري
المطروح أمام التقسيم والتعددية النقابية هو التالي: ما هي حصيلة التعددية
النقابية بالنسبة للطبقة العاملة؟ وللجواب على هذا السؤال يكفي أن نسجل ما
يلي:
- إن
عدد المنخرطين في مجمل النقابات ـ رغم أننا لا نعرفه نظرا لعدم نشر
إحصائيات المنخرطين ـ قد تضاءل، ليس فقط نسبيا منذ مطلع الاستقلال إلى
الآن، وإنما كذلك بشكل مطلق.
فعدد المنخرطين في مطلع الاستقلال (نهاية الخمسينات) وصل إلى 650 ألف أجير وهو ما يشكل حوالي 6% من السكان ونسبة كبيرة من الأجراء في حين أن عدد المنخرطين قد لا يتعدى حاليا 300 إلى 400 ألف وهو ما يشكل حوالي 1% من سكان البلاد ونسبة ضئيلة من الأجراء.
يمكن
القول إذن أن "مكرمة" التعددية النقابية هاته، قد أدت إلى تقليص عدد
المنخرطين في النقابات : كلما تعددت النقابات إلا وتقلص عدد النقابيين.
- إن
حقوق ومكتسبات الطبقة العاملة في تراجع مستمر. إن عددا مهما من المكتسبات
القانونية والفعلية للعمال ترجع إلى الفترة التي كانت فيها الطبقة العاملة
موحدة نقابيا في إطار الاتحاد المغربي للشغل. أما عهد التعددية النقابية
فقد جاء بالتراجعات سواء على
مستوى الحقوق القانونية (مدونة الشغل كنموذج) أو على مستوى الواقع. إن
المستوى المعيشي للأجراء في تدهور مستمر: كلما تعددت النقابات كلما تضاءلت
حقوق ومكاسب الأجراء.
· ويتضح
إذن من خلال كل المعطيات السابقة صحة الشعار العمالي: الوحدة النقابية
سلاح الكادحين والتعددية النقابية سلاح الرجعيين والانتهازيين.
· اعتبارا
لما سبق، يطرح على المناضلين/ات الغيورين على مصالح الطبقة العاملة،
المتمثلة أولا وقبل كل شيء في وحدتها، رد الاعتبار لشعار "الوحدة النقابية
التنظيمية" ليصبح قناعة مشتركة لديهم وأن يعملوا
في أفق تحقيقه عبر الدفع بالنضالات الوحدوية وبالوحدة النضالية لجميع
مكونات الحركة النقابية العمالية. ومن الأكيد أن الاتحاد المغربي للشغل
والكنفدرالية الديمقراطية للشغل يشكلان النواة الصلبة لهذه الوحدة النضالية
نظرا لقوتهما ولتاريخهما النضالي وحتى لاستقلاليتهما (استقلالية تاريخية
للاتحاد واستقلالية متنامية ل ك د ش بعد أن كانت في البداية تابعة لحزب
سياسي أو جناح داخله).
3 - الاستقلالية النقابية
إن مبدأ الاستقلالية يعني:
· أولا،
الاستقلالية إزاء المشغلين سواء كان المشغل من الخواص أو كان المشغل قطاعا
عموميا. وهذه المسألة بديهية. فالنقابة التي تكون تابعة للمشغل (syndicat maison
) لا يمكنها بتاتا أن تخدم مصالح الطبقة العاملة خاصة في مجتمع طبقي
استغلالي تتناقض فيه مصالح المشغلين مع مصالح المأجورين الكادحين.
· ثانيا،
الاستقلالية إزاء السلطة الحاكمة: إن النقابة التابعة للسلطة لا يمكن أن
تخدم مصالح الطبقة العاملة باعتبار أن السلطة في المجتمع الاستغلالي تكون
أساسا وفي الجوهر
في
خدمة المستغلين.
· ثالثا،
الاستقلالية إزاء الأحزاب السياسية، مهما كانت هذه الأحزاب ولو كانت
تقدمية أو ثورية. إن استقلالية النقابة العمالية عن الأحزاب تعد من الدروس
الثمينة للحركة
النقابية
العالمية التي أدركت أن تبعيتها للأحزاب ولو كانت أحزابا تدافع عن مصالح
الطبقة العاملة تضر ليس بالنقابة فحسب ولكن بهذه الأحزاب نفسها التي تفتقد
إلى أداة جماهيرية مستقلة قادرة على انتقادها وتصحيح مسارها عند الضرورة.
إذا
كان للاتحاد المغربي للشغل في الماضي وإلى حدود نهاية السبعينات علاقات
وطيدة في البداية مع حزب الاستقلال ثم في ما بعد مع الاتحاد الوطني للقوات
الشعبية، فإن استقلالية الاتحاد المغربي للشغل وفي المجالات الثلاث السابق
ذكرها يبقى مبدأ قويا لدى الاتحاد المغربي للشغل. وربما تكون هذه هي الميزة
الأساسية للاتحاد المغربي للشغل إلى جانب التشبث بالوحدة النقابية مقارنة
مع مجمل المركزيات
المتعددة المتواجدة ببلادنا والتي تعد امتدادات نقابية لهذا الحزب أو ذاك
أو ذيول للسلطة.
إن
الاستقلالية عن المشغلين وعن السلطة الحاكمة وعن الأحزاب لا تعني انعدام
متحزبين ومتسيسين داخل الاتحاد. ولا تعني كذلك انعدام عناصر موالية لبعض
رجال الأعمال أو حتى للسلطات. فالاتحاد المغربي للشغل يضم إلى جانب نقابيين
بدون انتماء تنظيمي أو حتى توجه سياسي محدد همهم الوحيد الدفاع عن مصالح
الأجراء، أعضاء نشيطين سياسيا من اليسار إلى اليمين؛ ومن ضمن العناصر
اليمينية نجد عناصر أحيانا
موالية للسلطة ومتناغمة مع طروحات رجال الأعمال.
ونسجل
كذلك أن استقلالية الاتحاد المغربي للشغل لا تعني الحياد السياسي للمنظمة
إزاء ما يجري ببلادنا. فالاتحاد المغربي للشغل من حقه، بل من واجبه أن يتخذ
مواقف سياسية من كل الأحداث السياسية التي لها انعكاس على وضع الطبقة
العاملة. وإن ما يميز الاتحاد عن النقابات الحزبية هو أن هذه الأخيرة تتخذ
مواقفها السياسية في انسجام مع مواقف الأحزاب الأم، في حين أن الاتحاد
يستمد مواقفه السياسية
انطلاقا من منظوره الخاص للمصالح النقابية للأجراء.
4 - الديمقراطية
إن مبدأ الديمقراطية يعني:
· أولا،
أن الاتحاد المغربي للشغل يسعى إلى بناء مجتمع ديمقراطي بالمفهوم الشمولي
للديمقراطية كديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية؛ ومن هنا
حرص الاتحاد ـ مع فتور في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة ـ على فضح
الديمقراطية الشكلية والمسلسلات الديمقراطية المزيفة والمفاهيم التي تحاول
اختزال الديمقراطية في الانتخابات المغشوشة.
· ثانيا، أن الاتحاد المغربي للشغل قد
اهتم بالنضال من أجل فرض احترام الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان
ببلادنا، مؤكدا
بطبيعة الحال على الحريات النقابية وفي مقدمتها الحق في الإضراب الذي ظل
يخرق، رغم طابعه الدستوري، خاصة باللجوء إلى الفصل 288 المشؤوم من القانون
الجنائي حول عرقلة حرية العمل. وإن رفض الاتحاد لمختلف مشاريع القانون
التنظيمي للإضراب المطروحة من طرف الحكومة يؤكد تشبثه باحترام الحريات
النقابية والمكتسبات في هذا المجال.
كما
أن مطالبة الاتحاد بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين
لأرض الوطن وبالكشف عن مصير المختطفين (مثل عبد الحق الرويسي المختطف منذ
1964 والحسين المانوزي منذ 1972، وهما معا كانا مناضلين في صفوف الاتحاد)،
وإلغاء الفصل 288 من القانون الجنائي وإعادة الاعتبار لضحاياه، يدخل في
إطار النضال من أجل الحريات الديمقراطية السياسية والنقابية.
· ثالثا،
أن الاتحاد المغربي للشغل يتبنى الديمقراطية النقابية كأسلوب في بلورة
واتخاذ القرارات واختيار الأجهزة المسيرة وكذا المسؤولين القياديين. كمؤسسة
ديمقراطية من
المفترض أن تكون النقابة مدرسة شعبية للديمقراطية، خاصة في مجتمع كالمغرب
يستعد للانتقال من الدولة المخزنية إلى دولة الحق والقانون ومن مجتمع
الرعايا الذي تسوده العلاقات شبه الإقطاعية إلى مجتمع المواطنين الأحرار
وسيادة حقوق الإنسان.
هل يعني هذا أنه لا توجد داخل الاتحاد علاقات تتنافى مع الديمقراطية النقابية ؟ إن مثل هذا القول سيكون منافيا للحقيقة.
يكفي
أن نشير هنا إلى استمرار الراحل المحجوب بن الصديق كأمين عام للاتحاد منذ
التأسيس في 20 مارس 1955 إلى وفاته في 17 شتنبر 2010، وإلى المدة الفاصلة
بين المؤتمر التاسع (أبريل 1995) والمؤتمر العاشر (دجنبر 2010)، وإلى تجميد
عمل الأجهزة المنتخبة من طرف المؤتمر. كما تجدر الإشارة إلى أن العديد من
المناضلين في بعض الاتحادات المحلية والجهوية وفي بعض الجامعات الوطنية يشتكون
من
تصرفات عدد من المسؤولين النقابيين الذين لا يختلف سلوكهم مع العمال ومع
المناضلين النقابيين الشرفاء المخلصين لقضايا الطبقة العاملة عن الممارسات
السلطوية للباطرونا ولرجال المخزن. وفي الحقيقة إن مقاومة سلوك هؤلاء
المنحرفين عن التوجه النقابي الديمقراطي الأصيل يفرضه مبدأ الديمقراطية
النقابية نفسه الذي يساعد الطبقة العاملة على التخلص من الممارسات المنحرفة
الغريبة عنها وعن تقاليدها وعن مطامحها. ولنا داخل الاتحاد وداخل الطبقة
العاملة ما يكفي من المقومات لمواجهة الممارسات اللا ديمقراطية وتصحيح
الأوضاع بما
ينسجم مع مبادئنا ومطامحنا.
ومن
الأكيد أن إحدى الانشغالات الكبرى للمؤتمر العاشر هي ترسيخ مبدأ
الديمقراطية عبر وضع قانون أساسي ديمقراطي يمكن من تثبيت مبدأ العمل المنظم
والديمقراطي الملازم لكل مركزية نقابية عمالية أصيلة ويسمح بتشجيع حرية
التفكير والتعبير داخل النقابة وترسيخ قواعد العمل الجماعي بدل الزعامة،
وضمان العمل المنظم والمنتظم والديمقراطي لسائر الأجهزة دون استثناء،
وتسييد مبدأ الانتخاب
بدل التعيين عند اختيار المسؤولين/ات وتكوين الأجهزة، واعتماد مبدأ
الشفافية التامة والنزاهة في التدبير المالي.
5 - التضامن
إنه جوهر العمل النقابي. فلو لم تسم النقابة "نقابة" لسميناها "تضامن".
ويعني
هذا المبدأ بالنسبة إلينا التعاون والتآزر والتآخي بين العمال للدفاع عن
مصالحهم المشتركة بشكل دائم ومستقر وليس فقط بشكل موسمي عند الطوارئ. وهذا
التضامن الاستراتيجي هو قاعدة تأسيس النقابة على كل المستويات وقاعدة
التعاون بين الطبقة العاملة وسائر الجماهير الشعبية:
- التضامن
بين أجراء نفس المؤسسة: هو الذي يؤدي إلى تشكيل نقابة المؤسسة: المعمل،
المستشفى، المدرسة، الضيعة الفلاحية الكبرى، شركة النقل، الفندق السياحي،
... ؛
- التضامن بين أجراء نفس القطاع: هو الذي يؤدي إلى تشكيل النقابة الوطنية أو الجامعة الوطنية المهنية؛
- التضامن بين أجراء وكادحي منطقة محددة: هو الذي يؤدي إلى تشكيل الاتحادات المحلية والجهوية؛
- التضامن بين الأجراء والكادحين على المستوى الوطني: هو الذي يؤدي إلى خلق المركزية النقابية؛
- التضامن على المستوى الدولي: هو الذي يؤدي إلى الاتحادات النقابية الدولية؛
- كما
أن التضامن بين الطبقة العاملة ومختلف فئات الجماهير الشعبية هو الذي يؤدي
إلى أشكال متنوعة من التنسيق والعمل الجبهوي بين النقابة والقوى
الديمقراطية الأخرى.
6 - التقدمية
يعني
هذا المبدأ أن الاتحاد المغربي للشغل يعد جزءا من المعسكر التقدمي
ببلادنا، بتاريخه، بقاعدته الطبقية العمالية، بمبادئه، بمواقفه، بنضالاته،
وأن الاتجاه العام داخله ـ رغم وجود عناصر في صفوفه لا يمكن احتسابها على
التقدميين ـ هو اتجاه تقدمي لا بد وأن يعمل مع كافة القوى الحية الوطنية
الديمقراطية والشعبية من أجل تخليص بلادنا من هيمنة الامبريالية والتسلط
الرجعي وانعتاق شعبنا من الاضطهاد
والاستغلال وبناء مجتمع ديمقراطي شعبي يتمتع فيه كل المواطنين/ات بكافة
حقوق الإنسان
في أفق بناء المجتمع الاشتراكي ـ الذي تكون فيه السلطة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بيد الطبقة العاملة وحلفائها ـ وتشييد
المجتمع الذي ينعدم فيه استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
إن مبدأ التقدمية يعني عمل المركزية على ثلاث واجهات أساسية :
- اتخاذ
المواقف التقدمية في كل المجالات ذات الصلة بمصالح الطبقة العاملة بدءا
بإقرار ديمقراطية حقيقية مع مدخلها الحتمي وهو الدستور الديمقراطي البديل
للدستور الرجعي الحالي؛
- تطوير
كفاحية المركزية للتصدي للتدهور الخطير لأوضاع الطبقة العاملة مما يستوجب
إبداع الأساليب النضالية المناسبة ورد الاعتبار لآلية الإضراب العام على
المستوى الوطني؛
- تفعيل
شعار "خدمة الطبقة العاملة وليس استخدامها" الذي ظلت ترفعه مركزيتنا مما
يمكن من التخلص من الانتهازية والوصولية والفاسدين الذين لا يترددون في
خدمة مصالحهم الأنانية على حساب مصالح الطبقة العاملة.
21 أكتوبر 2010
عبد الحميد أمين
مناضل نقابي
بعد وفاة المحجوب بن الصديق:
أي آفاق للاتحاد المغربي للشغل وللحركة النقابية العمالية بالغرب؟
** في يوم الجمعة 17 شتنبر، توفي المحجوب بن الصديق،
الأمين العام لمركزيتنا النقابية، الاتحاد المغربي للشغل، عن سن يناهز 88
عاما، بعد أن ظل زعيما لها منذ تأسيسها في 20 مارس 1955، لمدة تفوق 55 سنة.
**
إن السؤال الذي تطرحه الصحافة والعديد من المهتمين، هو "من سيخلف المحجوب
بن الصديق كأمين عام؟". وفي اعتقادي أن هذا السؤال يبعدنا عن الإشكالية
الحقيقية ـ التي يجب أن ينشغل بها الرأي العام الديمقراطي وخاصة المناضلات
والمناضلون الغيورون على مصالح الطبقة العاملة والمقتنعون برسالتها
التحررية ـ حول أي مستقبل للحركة النقابية العمالية ببلادنا ؟ ذلك أن
المشكل المطروح ليس هو
استبدال زعيم بزعيم آخر على رأس الاتحاد، فهذا غير ممكن، إذ لا مكان بعد 17
شتنبر للزعيم وللزعامة في الاتحاد المغربي للشغل. وما يطرح هو التساؤل حول
آفاق الاتحاد وآفاق مجمل الحركة النقابية العمالية بالمغرب.
**
لقد مات المحجوب بن الصديق. ونحن نعلم أن كل من عليها فان ولا يبقى في
وجدان الناس إلا من فعل خيرا يذكر به. وقد كان للراحل دورا بارزا في مسار
وتاريخ الاتحاد المغربي للشغل والحركة النقابية العمالية ككل. وليس المجال
هنا لتقييم هذا الدور؛ فهذا ما يحتاج إلى تفكير معمق ومجهود جماعي ما
أحوجنا إليه. وقد يكون المؤتمر الوطني العاشر للإتحاد مناسبة لذلك.
**
إن ما يهمني أكثر حاليا، هو التشخيص ولو بعجالة لأوضاع الحركة النقابية
العمالية ولآفاق تطورها، وذلك من منطلق مناضل خبر العمل النقابي داخل
الاتحاد المغربي للشغل منذ 1970 وظل داخله يدافع عن مبادئه الأصيلة
المتجسدة في الوحدة النقابية والاستقلالية والديمقراطية والتضامن والتقدمية
والجماهيرية.
وإن فكرتي الأساسية هي كالتالي:
ــ إن الحركة النقابية العمالية تعيش أزمة عميقة؛
ــ
إن انبعاث الحركة النقابية كضرورة للنهوض بحقوق العمال، ورغم الصعوبات
الناجمة بالخصوص عن افتقار الطبقة العاملة لحزبها السياسي المستقل، ممكن في
ظل الشروط الراهنة؛
ــ
إن النهوض بالاتحاد المغربي للشغل شرط ضروري لانبعاث الحركة النقابية وهو
يمر بالأساس عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية والمبادرة إلى تقوية الوحدة
النضالية على طريق بناء الوحدة النقابية المنشودة.
** إن الحركة النقابية العمالية المغربية تعرف أزمة خطيرة تعد إحدى الأسباب الأساسية للإجهاز على حقوق ومكتسبات الطبقة العاملة ببلادنا في السنوات الأخيرة. ويمكن إيجاز مظاهر الأزمة في:
- تردي
جماهيرية العمل النقابي، إذ أن مجموع المنخرطين والمنخرطات في تقديري لا
يتجاوز 300 أو 400 ألف بالنسبة لكافة المركزيات النقابية، بينما كان عدد
منخرطي الاتحاد المغربي للشغل 650 ألف في نهاية الخمسينات من القرن الماضي
عندما كانت المركزية النقابية الوحيدة ببلادنا.
- تقسيم
الحركة النقابية والعبث بوحدتها. فيما ظلت الطبقة العاملة مؤطرة في مركزية
نقابية واحدة منذ الإعلان عن الاستقلال وإلى حدود 20 مارس 1960، عندما قام
حزب الاستقلال بإنشاء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، هناك اليوم حوالي
عشرين مركزية نقابية ببلادنا، خمسة منها تعتبر الأكثر
تمثيلية من طرف السلطات الحكومية. وإن التعددية النقابية الناتجة عن
التقسيم النقابي تعد مصدرا لتضارب المواقف وتعارض التكتيكات النضالية مما
يسيء لمصالح الطبقة العاملة ككل.
- ضعف
الديمقراطية الداخلية الذي يمكن تلمسه على مستوى الأجهزة القيادية الوطنية
وعلى مستوى الجامعات والنقابات الوطنية والاتحادات المحلية لهذه المركزية
أو تلك. ويكفي الإشارة على سبيل المثال إلى أن الاتحاد المغربي للشغل لم
يعقد مؤتمره الوطني منذ أزيد من 15 سنة وأن
الكنفدرالية الديمقراطية للشغل لم تعقد مؤتمرها الوطني منذ أزيد من 9
سنوات، ناهيك عن تجميد نشاط الأجهزة المنتخبة وتغييب العمل الجماعي وتسييد
مفهوم الزعامة في كافة المستويات.
- تفشي قيم الانتهازية والانتفاعية والفساد وتكاثر المفسدين في صفوف المسؤولين النقابيين.
- ضعف
الاستقلالية وأبرز مظاهرها إزاء الأحزاب السياسية، حيث نجد وراء مجمل
الانشقاقات التي عرفتها الحركة النقابية المصلحة الحزبية الضيقة. وفي هذا
المجال، إذا كان الاتحاد المغربي للشغل يتوفر على استقلالية معروفة لدى
الجميع، فإن جل المركزيات الأخرى (وإن كان ذلك بتفاوت) تظل
تابعة لأحزاب معينة إما بشكل مكشوف أو ضمني.
- ضعف
التضامن النقابي على كافة المستويات من نقابة المؤسسة إلى الاتحاد المحلي
والنقابة الوطنية والجامعة الوطنية والمركزية وصولا إلى التضامن للمركزيات
النقابية فيما بينها. وضعف التضامن هذا، يساهم في العديد من الأحيان في
تكبد الطبقة العاملة لهزائم كبرى في عدد من
المعارك.
- تقلص
الطابع التقدمي للعمل النقابي حيث لم تعد المركزيات النقابية إلا نادرا
تتخذ مواقف سياسية تقدمية من القضايا المصيرية للبلاد: الموقف من
الديمقراطية المزيفة أو الشكلية، من المسألة الدستورية، من التغلغل
الإمبريالي في مختلف المجالات، من اندماج المغرب في العولمة
الليبرالية المتوحشة، من الإصلاح الزراعي، الخ...
**
إن استمرار الأزمة التي تعيشها الحركة النقابية، وبمختلف المظاهر السالف
ذكرها قد يؤدي إلى الاضمحلال التام للحركة النقابية العمالية المغربية.
لهذا حان الوقت للعمل بحزم على تجاوز هذه الأزمة وهذه مهمة كافة المناضلات
والمناضلين الغيورين على مصالح الطبقة العاملة أينما وجدوا، من داخل العمل
النقابي – داخل هذه المركزية أو تلك – أو من خارجه.
إن تجاوز الأزمة يقتضي أساسا:
- تعزيز
النضالات الوحدوية والوحدة النضالية في أفق الوحدة النقابية التنظيمية في
إطار مركزية واحدة. وأعتقد أن النواة الصلبة للوحدة النضالية يجب تشكيلها
من طرف كل من الاتحاد المغربي للشغل والكنفدرالية الديمقراطية للشغل نظرا
لوزنهما في الساحة النقابية ولتاريخهما
النضالي.
- العمل
على تعزيز استقلالية العمل النقابي، وهو ما يفترض القطيعة مع تبعية جل
المركزيات النقابية للأحزاب السياسية التي دفعت إلى تشكيلها في ظروف معينة.
- توسيع
وتعميق الديمقراطية النقابية داخل كل مكونات الحركة النقابية العمالية
بدءا بجعل حد لمفهوم الزعامة، ورد الاعتبار للعمل المنظم والديمقراطي
ولمفهوم القيادة الجماعية مع التحديد الدقيق للمسؤوليات الفردية.
- تخليق العمل النقابي عبر التصدي للفساد والمفسدين داخل الحركة النقابية.
- رد
الاعتبار لقيمة التضامن داخل مختلف الهياكل النقابية وفيما بينها، وصولا
إلى التضامن بين المركزيات النقابية نفسها في أفق الوحدة النقابية.
- رد
الاعتبار للطابع التقدمي للعمل النقابي عبر اتخاذ مواقف سياسية واضحة من
السياسات ومن القوى الرجعية المعادية لمصالح الطبقة العاملة والجماهير
الشعبية.
- ومن
المؤكد أن تفعيل التوجهات والإجراءات السابقة سيساهم بقوة في رد الاعتبار
للعمل النقابي ككل وبالتالي إلى تقلص العزوف عن النقابات وتقوية طابعها
الجماهيري من جديد.
وأعتقد
أن الاتحاد المغربي للشغل ـ كمركزية نقابية عمالية أصيلة وباعتبارها كذلك
المركزية النقابية الأولى تاريخيا وعلى مستوى تمثيليتها للأجراء وباعتبار
الأطر الصادقة، الكفأة والمناضلة التي تتوفر عليها والتي ساهمت في تعزيز
الوجه المشرق لهذه المركزية ـ هو المركزية المؤهلة بالدرجة الأولى لتلعب
دورا رياديا في عملية انبعاث الحركة النقابية خاصة إذا تمكنت من
وضع اليد في اليد مع الكنفدرالية الديمقراطية للشغل للاندماج بحماس في
مشروع انبعاث الحركة النقابية العمالية المغربية.
** إن الشرط الأساسي لتقوم مركزيتنا بدورها الريادي في انبعاث عموم الحركة النقابية هو التصحيح الجذري لمسارها خاصة عبر:
* ترسيخ الديمقراطية الداخلية بعدد من التدابير والإجراءات أهمها:
- الشروع في التحضير الديمقراطي وبشفافية للمؤتمر الوطني العاشر للاتحاد المغربي للشغل الذي يجب أن يشكل البوابة نحو عهد الديمقراطية والشفافية في مركزيتنا.
- القطيعة مع مفهوم الزعامة على كل المستويات سواء تعلق الأمر بالمركزية ككل أو بالاتحادات المحلية والجامعات الوطنية والفروع الجامعية ونقابات المؤسسات.
فعلى
المستوى الوطني يجب أن يدرك الجميع داخل الاتحاد وخارجه أنه لن يكون هناك
زعيم للاتحاد المغربي للشغل بعد 17 شتنبر، تاريخ وفاة المحجوب بن الصديق.
وأن العمل الديمقراطي يفرض في هذا المجال وضع أسس قيادة جماعية سواء تعلق
الأمر بالأمانة الوطنية أو باللجنة الإدارية.
فبالنسبة
للأمانة الوطنية ـ التي يجب أن تكون منتخبة من طرف اللجنة الإدارية وخاضعة
لمراقبتها ولتوجيهات المجلس الوطني ـ إن مفهوم القيادة الجماعية يعني أن
كل أعضائها يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم على قدم المساواة مع مراعاة متطلبات
توزيع المهام والمسؤوليات الفردية؛ ففي هذا المنظور سيكون هناك طبعا أمينا
عاما ونائبه أو نوابه وأمينا للمال ونائبه ومسؤوليات محددة
أخرى. ودور الأمين العام الذي يجب أن ينتخبه زملاؤه في الأمانة الوطنية هو
دور المنسق الجماعي الذي يجتهد أكثر من غيره لضمان تناغم العمل الجماعي.
كما يجب ـ ضمانا للتداول على المسؤوليات وتجنبا لعودة الزعامة ـ حصر عدد
الولايات في اثنتين فقط بالنسبة للأمناء العامين مع العلم أن هذا الإجراء
لا يمكن أن يتم بأثر رجعي.
إن
مفهوم العمل الجماعي والمسؤولية الفردية يجب أن يسود على مستوى كافة
الهياكل النقابية بما فيها أجهزة الجامعات الوطنية والاتحادات المحلية
والفروع الجامعية ونقابات المؤسسات.
- تسييد مفهوم العمل المنظم والديمقراطي
بالنسبة لكافة الأجهزة: فالمؤتمرات يجب أن تنعقد في وقتها المحدد دون أدنى
تأخر وباعتماد الشفافية والديمقراطية في التحضير لها وفي مسارها. كما على
الأجهزة الأخرى أن تجتمع بشكل
ديمقراطي منظم ومنتظم.
وبالنسبة
لأسلوب تشكيل الأجهزة القيادية يجب رد الاعتبار لأسلوب الانتخاب السري
الذي يمكن العمل به إلى جانب أسلوب لجنة الترشيحات الذي يجب تطويره بدوره.
ونشير هنا إلى ضرورة المراجعة الشاملة للقانون الأساسي وإقرار نظام داخلي.
- إن
مقتضيات الديمقراطية تفرض كذلك إشراك المرأة المناضلة في المسؤوليات؛ لا
يعقل أن يكون للاتحاد مستقبلا أمانة وطنية بدون نساء مناضلات تبرزن المكانة
الحقيقية للمرأة داخل مركزيتنا وداخل المجتمع ككل. وقد يكون من المفيد
إقرار تمثيلية للمرأة في الأجهزة تصل إلى الثلث على الأقل
عملا بشعار"الثلث على الأقل في أفق المناصفة" الذي رفعته الحركة النسائية
الديمقراطية ببلادنا. كما أن مقتضيات الديمقراطية تفرض علينا فتح أبواب
المسؤولية أمام الشباب.
*تمتين الوحدة داخل الاتحاد المغربي للشغل
على أساس وحدة الرؤيا للعمل النقابي وعلى أساس المصالح المشتركة للطبقة
العاملة وعلى أساس الاحترام الجماعي لقيم العمل النقابي ومبادئه ولمقتضيات
الديمقراطية الداخلية.
إن الوحدة الداخلية على أساس الديمقراطية تشكل إحدى الرافعات لتشجيع الوحدة النقابية التنظيمية المنشودة.
*وأخيرا لا بد من التأكيد على الطابع التقدمي للاتحاد
باعتباره مركزية نقابية للطبقة العاملة وفي خدمة أهدافها القريبة (تحسين
الأوضاع المادية والمعنوية) والبعيدة المتجسدة في القضاء على الاستغلال
الرأسمالي كمصدر أساسي لويلات الطبقة العاملة وفي الطموح إلى تشييد مجتمع
اشتراكي تكون فيه السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعمال وعموم
الكادحين.
طيلة
التاريخ النضالي للاتحاد حاولت بعض القوى السياسية استغلال المركزية
لأهدافها السياسية الخاصة لكن محاولاتها لم تعرف نجاحا يذكر.
واليوم
هناك محاولة لبعض القوى الرجعية لإيجاد موطئ قدم داخل المركزية في محاولة
للاستفادة من وضعيتها الانتقالية لجرها نحو اليمين ونحو خدمة الرأسمالية
التبعية المرتبطة بالعولمة الليبرالية المتوحشة.
ويجب
أن يدرك الجميع داخل المركزية وخارجها أن كافة مناضلاتها ومناضليها خاصة
التقدميين المرتبطين بالمشروع التحرري العام للطبقة العاملة لن يسمحوا أبدا
بانحرافها نحو اليمين وأنهم عازمون وبكل إصرار على تعزيز طابعها التقدمي.
فالطبقة العاملة ومركزيتها النقابية الأصيلة، الاتحاد المغربي للشغل، لا
يمكن أن تكون وقودا في محركات القوى المعادية لمصالحها القريبة
والبعيدة.
عبد الحميد أمين
مناضل في الاتحاد المغربي للشغل
...................
نقاش لا مفر منه
تقدر الأوساط النقابية المغربية نسبة التنقيب في المغرب بحوالي 8 المائة
(والمتفائلون منهم ب 10 في المائة)، و يقدرها المهتمون الأمريكيون ب 5 في المائة,
و في جميع الحالات تبقي نسبة التنقيب داخل الشغيلة المغربية هزيلة، إن لم نقل كارثتية.
و من المعروف أن المغرب قد ضرب الرقم القياسي في "التعدد النقابي": أكثر من 20 نقابة.
- إن القمع لا يبرر وحده هذا الواقع المر (ففي الستينات و السبعينات، ،" سنوات الجمر"،
كانت نسبة التنقيب جد مرتفعة)
- إن التشتت النقابي لا يبرر وحده هذا الواقع (رغم نتائجه السلبية)
- إن تعفن الأجهزة القيادية و سيادة البيروقراطية لا يبرر وحده هذا الواقع الكارثتي
(رغم للدور الهدام/الإحباطي الذي تلعبه هذه الفئات الاجتماعية التي لا ترى أي مصلحة في تقوية/تنظيم المقاومة العمالية)
- إن أزمة النظام الرأسمالي و عولمته المتوحشة و انعكاس نتائجه على الواقع المغربي
لا يفسر وحده تراجع الحركة النقابية المغربية (رغم لما لهذا الواقع من سلبيات).
تشكل
بطبعة الحال كل هذه العوامل عوائق و حواجز أمام الحركة العمالية المناضلة
عامة، و أمام الحركة النقابية خاصة, إلا أن أسباب ضعف التنظيم (أكان سياسيا
أو نقابيا) يجد في أخر المطاف تفسيره في عجز المناضلين و التيارات التي
تتبنى قضايا الكادحين
في إيجاد الحلول الصحيحة لتجاوز الصعبات الميدانية.
هناك انحرافان تعاني منهما الحركات الجدرية المغربية.
1 - انحراف يميني يهادن التعفن السائد في الأجهزة النقابية
و يساهم بذلك في تعميق هذا التعفن الذي يولد لدى الكادحين التذمر و الإحباط و النفور من الانخراط النقابي.
2 -
انحراف يسراوي
يكتفي بترديد المقولات الجاهزة، مشابها في ذلك أهل "الكتب السموية"، و التي
لا تغير من واقع الطبقة العاملة شيئا كما لا تغير هذه الأخيرة من واقع
المستضعفين شيئا يذكر.
هناك
مقاومة عمالية، هناك مقاومة المستضعفين و احتجاجات المضطهدين و المهمشين،
لكن المقاومة ستبقي محدودة و "اقتصادوية" صرفة إن لم تكن مؤطرة من طرف
المناضلين المسلحين بفكر التغيير الثوري. إن قائد نقابي، و مهما يكون
أخلاصه و نزاهته و أهمية دوره، يشكل
موضوعيا عائقا أمام تقوية و تطوير الكفاح العمالي إذا لم يكون حاملا لمشروع
مجتمعي، مشرع الطبقة العاملة، المشروع الاشتراكي في أفق مجتمع تنعدم فيه
الطبقات الاجتماعية... يستحيل أن يقود الكفاح العمالي لسنوات "مناضلون"
بدون رؤية سياسية و مرجعية فكرية و بدون مشروع مجتمعي.
ان
تقوية النضال النقابي، مرتبط بتصليب الحركة العمالية، و تصليب الحركة
العمالية رهين ببناء أدوات التغيير و في مقدمتها حزب الطبقة العاملة و عموم
الكادحين، هذا الحزب الذي يستحيل الحديث عنه في غياب الانصهار بين الطلائع
العمالية و الفكر الشيوعي. و هذا الانصهار لا
يمكن أن يتم عبر "نصائح و فتاوي" "العارفين"، بل عبر الممارسة الميدانية:
تعرف على الواقع بكل تشعباته، حدد الأولويات، اتجه نحو ضحايا الاستغلال و
الاضطهاد و التهميش، تضامن مع الضحايا، انخرط ميدانيا في المقاومة، ناقش،
وضح، ازرع أفكار التغيير، اقترح أشكال جديدة و فعالة للمقاومة، فكر في طرق
ملائمة للتكوين الفكري و السياسي و النقابي و الحقوقي...
الجماهير
لا يهمها في البداية ما تقول أنت ، إنها تحاسبك على التزاماتك الفعلية، و
على تصرفاتك في الميدان، و على نتائج اقتراحاتك...لا يمكن أن تكسب الجماهير
بالصراع الفوقي مع البيروقراطية، و بشتم المناضلين، و بشعارات جوفاء حول
اسقط النظام... ممكن (بل من الواجب)،
أن تحارب الانتهازية بمختلف تلاوينها بالانخراط الفعلي في المقاومة الشعبية
عامة و في كفاح الطبقة العاملة خاصة...ستنغرس، ستزرع بذور الفكر الثوري،
ستقوي الديمقراطية داخل المنظمات الجماهيرية، ستساعد على تكوين و تأطير
الطلائع المكافحة، ستساهم في قلب موازن القوة, ستساهم في بناء أدوات التغير
و تصليبها، ستساهم في توفير الشروط الموضوعية و الذاتية لتحطيم المجتمع
الحالي المبني على الاستغلال و الاضطهاد، ستساعد على تشييد مجتمع جديد،
مجتمع المنتجين و كافة المبدعين و ذلك على أنقاض مجتمع الراعي و الرعايا.
هناك أرضيتان للمناضل عبد الحميد أمين، أرضيتان تهم بالأساس النضال النقابي، و هي تشكل بدون شك مرجعية لأي نضال نقابي جاد.
إن
جوهر الأرضيتين نتاج تجربة طويلة (ابتدأت سنة 1970) داخل الاتحاد المغربي
للشغل. و حتى خلال المدة التي قضاها لرفيق داخل زنازين الحكم ( حوالي 13سنة) فانه كان يتتبع كل ما يجري خارج أسوار السجون عامة وقضايا الطبقة العاملة خاصة.
فأفكاره و اقتراحاته العملية هي عصارة لتحليل عميق لواقع الطبقة
العاملة عامة و واقعها النقابي خاصة. فما أحوجنا لمثل هذه المساهمات
البناءة
فلا للتواطؤ مع الانتهازية اليمينية
و لا للثرثرة اليساروية
علي فقير (المحمدية في 22 اكتوبر 2010)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق