مقال تحت عنوان: أشكال الصراع الطبقي
أشكال الصراع الطبقي
-معاد-
”الهدف الأول للشيوعيين هو الهدف
نفسه لكل الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكّل البروليتاريا في طبقة، إسقاط
هيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السّلطة السياسية” (البيان
الشيوعي)
يتجلى
نضال الطبقة العاملة في المجتمع الرأسمالي في مختلف نواحي الحياة
الاقتصادية والاجتماعية، ويختلف من ميدان إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، وقد
ظهرت وتبلورت أشكاله الرئيسية: النضال الاقتصادي – النضال السياسي –
النضال الايديولوجي خلال صدامات طبقية حادة.
+ الشكل الاقتصادي للصراع الطبقي:
لقد اتسمت أشكال النضال الطبقي في
المراحل الأولى لنشوء الطبقة العاملة بطابع خاص يتميز عن أشكال النضال
الطبقي المعروفة حاليا في الحركة العمالية، كانت تعبيرا عن عدم وعي الطبقة
العاملة وعدم اكتمال وعيها كطبقة. ففي الستينات والسبعينات من القرن الثامن
عشر كان غضب العمال الإنجليز من الاستغلال ومن أوضاعهم السيئة ينصب على
الآلات والبنايات والمعامل، فنشأت حركة عرفت باسم ”محطمي الماكينات” (حركة
اللودين، إشارة إلى العامل (نيدلود) الذي كان أول من حطم الماكينات احتجاجا
على استغلال الرأسماليين)، ثم شملت هذه الحركة فرنسا وألمانيا وبلدان أخرى
واكتسبت طابعا جماهيريا واسعا. كانت هذه الحركة ترى في الآلات مصدرا
لأوضاعها البائسة ولم تستطع إدراك أن عدوها ليس الآلة بل هو البورجوازي
الجشع ولم تكن تفرق بين الآلة وبين الاستخدام الرأسمالي لهذه الآلة، ذلك أن
الآلة بحد ذاتها ليست هي سبب بؤس العمال بل إن الاستخدام الرأسمالي هو سبب
هذا البؤس، والآلات يمكن أن تخدم كوسيلة لتخفيف جهد العامل كما هو الأمر
في ظل علاقات الإنتاج الاشتراكية.
لقد كانت حركة العمال الموجهة ضد
الصناعة الآلية للرأسمالية عبارة عن احتجاج عفوي ”ساذج” للنضال الطبقي
للبروليتاريا، وقد أشار ماركس في هذا الصدد بأن تعلم العمال للنضال ضد
الرأسمالية قد تطلب وقتا وخبرة طويلين، ومع اندماج هذه الحركات العفوية
بالنضال الإضرابي للطبقة العاملة من أجل مطالبها الاقتصادية المباشرة ظهر
الشكل الاقتصادي لنضال العمال، وكان يهدف في البداية إلى تحسين شروط حياة
العمال وظروف عملهم وتناول رفع الأجور وتقليص يوم العمل وتحسين السكن
والنهوض بأوضاعهم المعيشية اليومية في حدود لا تتجاوز فيها علاقات الإنتاج
الرأسمالية ولا تستهدف القضاء الاستغلال الرأسمالي بشكل نهائي. وهذا الشكل
من أشكال نضال العمال الطبقي رغم اختلافه عن ”حركة محطمي الآلات” يبقى هو
الآخر من الأشكال المبكرة لنضال الطبقة العاملة ظهر كرد فعل عفوي من جانب
العمال الاستغلال والاضطهاد الرأسماليين واحتجاجا على شروط الحياة والعمل
القاسيين. وفي مجرى نضال العمال من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية تشكلت مختلف
المنظمات التعاونية والثقافية والمهنية ومن ثمة تشكلت النقابات العمالية
لتنظيم وقيادة نضالاتهم الطبقية، وقد ساعد هذا الشكل على إدراك العمال
لأهمية الوحدة الطبقية في الكفاح ضد سيطرة رأس المال والاستغلال
الرأسمالي.
غير أن النضال الاقتصادي هذا رغم
أهميته وضرورته لنضال الطبقة العاملة يبقى شكلا محدودا من النضال الطبقي
لكونه يستهدف المطالب الآنية والجزئية للعمال ولا يتخذ من مهمة القضاء على
الرأسمالية هدفا رئيسيا لنضال الطبقة العاملة، لذلك وجه لينين نقدا حادا
للاتجاهات ”الاقتصادية” في صفوف الحركة العمالية التي تجعل من هذا الشكل
شكلا رئيسيا لنضال البروليتاريا وقال في هذا الصدد بأن حصر نضال الطبقة
العاملة في هذا النطاق من شأنه أن يحكم على العمال بالعبودية الأبدية
للرأسماليين.
إن جوهر الانتهازية اليمينية والاتجاهات
التحريفية المعاصرة ينطلق بالأساس من مواقع المبالغة في دور النضال
الاقتصادي أو من اعتبار هذا النضال هو الشكل الوحيد الملائم لنضال الطبقة
العاملة، غير أن جماهير العمال تقتنع يوما بعد آخر بأن التحسينات التدريجية
والجزئية في أوضاعها المعيشية لا يمكن أن تؤدي بها في ظل الهيمنة السياسية
للبورجوازية إلى تحقيق تحررها من الاستغلال الرأسمالي.
إن الماركسية اللينينية إذ تعتقد بأهمية
وجدوى النضال الاقتصادي، لكنها لا تعتبره الشكل الوحيد أو الرئيسي لنضال
الطبقة العاملة وهي تدعو باستمرار لربط هذا النضال الاقتصادي للبروليتاريا
بالنضال السياسي بل وإخضاع كل أشكال النضال الاقتصادي لنضال البروليتاريا
السياسي انطلاقا من أن البروليتاريا لا يمكن أن تحرر نفسها وتتحرر معها
بقية الجماهير المستغلة إلا من خلال النضال السياسي الذي يستهدف الإطاحة
بسلطة البورجوازية الاستغلالية الاحتكارية الجشعة.
+ الشكل السياسي للصراع الطبقي:
إن الماركسية اللينينية النظرية
الثورية للطبقة العاملة ترى في النضال السياسي للبروليتاريا الشكل الرئيسي
والحاسم بين أشكال النضال المختلفة لأن الماركسية بخلاف النظريات الإصلاحية
تعمل على تحرير البروليتاريا والجماهير المستغلة الأخرى تحرير ثوريا من كل
أشكال الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، وترى بأن النضال السياسي هو الشكل
الوحيد الذي يتجلى فيه نضال الطبقة العاملة بوصفها طبقة موحدة ضد كل الطبقة
الرأسمالية، وهو الشكل الوحيد الذي يخرج نضال الجموع المتفرقة من العمال
ضد هذا الرأسمالي أو ذاك، ضد هاته المجموعة من المستغلين أو تلك، ويضعها في
إطارها الطبقي العام بوصفه نضالا بين طبقتين متناحرتين، نضال حياة أو موتأ
لا تبرز فيه مصالح هذه الفئة بين العمال أو تلك، أو هذه المهنة أو تلك بل
تبرز المصالح الطبقية العامة للعمال ولا يفتأ هذا النضال أن يتحول في مجرى
الصراع إلى نضال يستهدف الإطاحة بسلطة البورجوازية وإقامة سلطة الطبقة
العاملة وحلفائها محلها كشرط لا غنى عنه لتصفية كل أشكال الاستغلال وبناء
المجتمع الاشتراكي الجديد.
يقول ماركس بأن كل نضال طبقي هو نضال
سياسي، ويعني أنه بقدر ما يكون نضال العمال ضد الرأسماليين نضال طبقة ضد
طبقة أخرى فإنه يصبح نضالا سياسيا يتناول أسس السيطرة البورجوازية كطبقة
سائدة تمتلك السلطة السياسية، فضلا عن أن نضال العمال الاقتصادي
والإيديولوجي يتحول في مجرى الصراع الطبقي إلى نضال سياسي، فكل إضراب وكل
مظاهرة عمالية وكل احتجاج من جانب الطبقة يواجه بالقمع والإرهاب ويتحول
بالضرورة لكي يضع الطبقة العاملة وجها لوجه أمام الهيمنة السياسية
للبورجوازية المتعفنة.
وفي سير النضال السياسي تبرز مطالب
العمال السياسية في تحسين القوانين الاجتماعية وتوسيع هامش الحريات
الديمقراطية والاحتجاج على التدابير الرجعية. إن مختلف نضالات الطبقة
العاملة المعادية للرجعية السياسية ومن أجل توسيع هامش الحريات وضد تنامي
الميول الفاشي الحرب والعدوان ضد الشعوب الأخرى ودعم الحركات الثورية
وحركات التحرر الوطني للشعوب المضطهدة ترتبط مع بعضها لتؤلف الأهداف العامة
التي تنادي بها الحركة العمالية وتناضل من أجلها لتوفير الشروط الضرورية
لانتصارها النهائي على البورجوازية.
+ الشكل الايديولوجي للنضال الطبقي:
إن البروليتاريا وهي طبقة مستغلة
تعيش في المجتمع الرأسمالي في ظل الهيمنة الاقتصادية والسياسية للطبقة
الرأسمالية المستغٍلة تعيش أيضا في إطار الوضع الذي تهيمن فيه وتسود
الايديولوجية البورجوازية التي تنشر في أوساط الجماهير الكادحين أفكارها
ومثلها ”الأخلاقية” ونظرياتها السياسية وفلسفتها على النحو الذي يشكل
مجموعة متكاملة من النظم الروحية المثالية التي تضلل وعي الجماهير المسحوقة
وتعمل على تزييفه خدمة لمصالح البورجوازية. ولذلك يتعين على الطبقة
العاملة أن تخوض نضالا فكريا متواصلا ضد كل أشكال الوعي البورجوازي
وامتداداته وضد ايديولوجيتها السياسية السائدة في المجتمع الرأسمالي
اعتمادا على كل وسائل الإنتاج والسلطة السياسية والمؤسسات الرجعية (الأسرة،
المدرسة، الإعلام، المؤسسة الدينية..).
إن الأساس الفكري الذي ينبغي أن
تنطلق منه الطبقة العاملة هو النظرية الثورية (ايديولوجيتها) التي تقف على
النقيض من الايدولوجيا البورجوازية. إن النضال الفكري الذي تخوضه أحزاب
الطبقة العاملة ضد الأفكار البورجوازية والإيديولوجية البورجوازية في مختلف
مجالات المعرفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي من أهم الشروط لتخليص
الجماهير الكادحة من آثار الفكر البورجوازي على الطبقة العاملة ومن أجل
دحض هذه الأفكار، ويكتسب نشر ايديولوجية الطبقة العاملة بين الطبقات ذات
المصلحة في التغيير الجذري أهمية خاصة في الرفع من وعيها بمصالحها الطبقية
بدورها الثوري في المجتمع، ويشكل على حد تعبير ماركس قوة مادية كبرى من أجل
تغيير المجتمع القديم.
كما أن النضال الفكري ضد أفكار
البورجوازية الصغيرة هو الآخر يكتسب أهمية بالغة في توحيد صفوف الطبقة
العاملة وعموم الكادحين ضد نظام الاستغلال الرأسمالي، ولذلك أعطى ماركس
وانجلز ولينين على وجه التحديد أهمية للنضال الفكري النظري ضد كل اتجاهات
الفكر البورجوازي والبورجوازي الصغير، وتؤكد تجربة الحركة الثورية للطبقة
العاملة أنه بدون النضال الدؤوب والمستمر الذي لا ينقطع ضد كل الانحرافات
اليمينية و”اليسارية” لا يمكن للطبقة العاملة أن تحقق انتصارها النهائي ضد
البورجوازية ولا يمكنها بناء المجتمع الجديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق